تم تقديم مصطلح علم النفس السردي أو علم نفس السرد (Narrative Psychology) من قبل عالم النفس ثيودور ساربين (Theodor Sarbin) (1911-2005) في منتصف الثمانينات. وساربين هو الرائد في نظرية نفسية تعرف بنظرية الدور الاجتماعي التي تحدد فيها دراسة السلوك ومقبولية السلوك اجتماعيا وفق الأدوار الاجتماعية والجنسية للأفراد. وقد جعل ساربين السرد هو الاستعارة الجذرية في علم النفس. وبالتزامن مع عمل ثيودور ساربين قدم دان ماكادامز عام 1985 مساهمة نظرية أخرى لتفسير سرديات الحياة بشكل شخصي. ومنذ ذلك الحين صار هناك مكان مميز لفكرة القصص في علم النفس.
يغطي مفهوم القصص نطاقاً شاسعاً من حواراتنا وحججنا وتحليلنا، كما يشمل اصنافاً عديدة منها القصص والروايات الفعلية، الاساطير، التاريخ، الأخبار، وحتى الأحلام، التخيلات، الآمال، اليأس، الشك، التخطيط، التعلم بل وحتى الحب. كما تتنوع تلك القصص بشكل هائل بحسب الثقافات والمراحل التاريخية المختلفة.
في تلخيص للكتاب علم القصص مقدمة لعلم نفس السرد[1] حاولت قراءة جوانب عديدة من علم نفس السرد بغرض تقييم إمكانية استخدامها كنواة لمشروعي في دراسة لغوية ادراكية حاسوبية مثل دراسة التعقيد الفكري. سأستعرض في هذا المقال خلاصة لما أظن أن له صلة ويمكن أن يعد لبنة في بناء مشروع التعقيد الفكري أو الدراسات الحاسوبية اللغوية الادراكية بشكل عام.
عرف جيروم برونر النمط السردي (Narrative Mode) كنوع من أنواع التفكير والذي لا يقوم على الحقيقة بل يحاول خلق تمثيل واقعي للحياة وهو يستكشف نوايا البشر وأفعالهم وقصصهم وعواقب تلك القصص. فيما عرف برونر النمط المرادف لهذا بالنمط المنطقي-العلمي ويعرفه بالنمط البرهاني (Paradigmatic Mode) القائم على الحقائق الصلبة، والمبادئ المجردة، والمعرفة القائمة على الاثبات العلمي التجريبي. السردية بحسب برونر لا تمثل فقط ما حدث، بل المنظور السيكولوجي تجاه ما حدث، القصص هي الطريقة التي نستوعب فيها الحياة. الحياة ليست هي ذاتها بل هي سرديتنا عن الحياة كما يرى برونر. يعد جيروم برونر أحد المنظرين البارزين في علم نفس السرد، وبتفصيله هذا يمكن النظر الى النمط السردي كمكون رئيسي للأفكار ومثلما أن الأفكار العلمية والمنطقية لها درجات مختلفة من التعقيد القابل للتمثيل حاسوبيا فهذا ينطبق على السرد أيضاً.
إن دراسة أنماط التعقيد أو التفرع من أنماط التعقيد نحو دراسة تغير التوجهات الفكرية تجعل دراسة السرديات أساسية في أي دراسة تاريخية للتطور الفكري مثل دراسة التعقيد. من الأمثلة على تغير التوجهات الفكرية هو أبحاث ويندي ستسنتون روجرز (Wendy Stainton Rogers). درست روجرز تغير النظرة في علم النفس الى الشخصية فيما يتعلق بالتحكم الداخلي (التحكم بالذات) ففي البحوث الأولية كان يظهر وكأن الشخص ذو القدرة على التحكم الداخلي هو بطل إيجابي فإن الأبحاث الأحدث تحاول عدم التمييز بين الأصناف المختلفة من التحكم الداخلي والخارجي. فكرة التحكم الداخلي تتجسد بحصر النجاح بالعوامل الداخلية الشخصية فيما أن التحكم الخارجي يركز على العوامل الخارجية التي تقف بالضد أو مع نجاح المرء.
الجانب الآخر الذي يمكن أن تتدخل به السردية في دراسة التعقيد الفكري هو الجانب السردي من مجالات علمية ومنطقية بحتة. على الرغم من أن الطابع العلمي البياناتي قد يطغى على النظريات العلمية كالتطور فإن البشر قد يسبغون الصبغة القصصية عليها. نظرية التطور بصفتها قصة، أي بتحليليها كقصة وسردية، تتضمن مستوى معين من التعقيد، كما أنها تقع بين المستوى الذري من حيث قابليتها على استيعاب أمور مثل الجينات والخلايا وانتهاءاً بالمستوى الشامل حيث أنها تستطيع تفسير مسار الكائنات الحية طيلة التاريخ على العكس من قصص أخرى مثل النظريات الاجتماعية التي تبدء وتنتهي مع الانسان العاقل وربما لفترة معينة من تاريخ الانسان العاقل.
في النهاية نحن نتكلم عن عقول البشر وليس عن آلات وقد تكون السرديات هيكل مناسب لتنظيم مكونات التعقيد وعلاقاته ضمن نظرية ما. في عام 1944 قام سيميل (Simmel) وهايدير (Heider) بإنشاء كارتون متحرك يتضمن مثلث كبير وآخر صغير ودائرة يتحركون داخل مربع. من أحد الأطراف كان المربع مفتوحاً في بعض الأحيان. تم سؤال المشاركين في التجربة أن يصفوا ما يرونه. أوصاف المشاركين للتجربة كانت وكأنهم يتكلمون عن أفعال بشرية تم دمجها ضمن القصة مثلا: “خطط رجل للقاء فتاة، فجاءت الفتاة مع رجل آخر. الرجل الأول أخبر الثاني أن يذهب، والثاني أخبر الأول أن يذهب فهز رأسه. ثم اختصم الرجلان وكان من الواضح أن الفتاة لا تريد الرجل الأول. فدخلت الفتاة للغرفة وتبعها الأول تاركاً الرجل الثاني متكئاً على الجدار وبحالة ضعيفة. وفي النهاية يبتعد الرجل الثاني والفتاة عن الأول فيتبعهم ويحاول دخول الغرفة وقد أعماه الغضب لكنه يعجز عن ذلك”. مع أن ما ظهر في الكارتون لم يكن سوى مجموعة أجسام متحركة لا ينبغي بالضرورة أن تفسر بهذا الشكل الدقيق. قدرة البشر على إعطاء نوايا للاجسام، المناخ أو الأشخاص الآخرين تظهر بشكل مبكر جداً في أيام العمر الأولى للإنسان وتظهر قدرة التمثيل البعدي للأحداث هذه حتى لدى المصابين بالتوحد.
التمثيل البعدي هو وصف لإضفاء النوايا على الأحداث لتكوين السرديات. ويتواجد هذا التمثيل في جميع الثقافات واللغات غير أنه قد يتباين بحسب الثقافات واللغات. مثلاً ظن وورف (صاحب النسبية اللغوية) أن شعب الهوبي لا يمتلكون زمن الماضي في لغتهم وبالتالي فهم يركزون على الحاضر، لكن اتضح لاحقا ان لديهم تمثيل للماضي رغم أنه مختلف. وحين تم تزويد قبائل النافاجو الامريكية الاصلية بكاميرا وتدريبهم لاستخدامها لوحظ أنهم يصورون إجراءات العمل دون عرض نتيجتها النهائية، سردية النافاجو كانت شبيهة بشعب الهوبي حيث تعرض العملية دون تركيز على الهيكلية الزمنية أو القصة المرتكزة على العواقب والنتيجة وهي تختلف عن الطريقة التقليدية الأوروبية في السرد (هناك تجربة أخرى أجريت على الامريكان والصينيين وهم يصفون حركة سمكتين في مقطع فيديو قصير وتظهر تباين السردية).
إن النوايا يمكن أن تكون بعداً آخراً لتمثيل التعقيد بالإضافة الى العناصر (أسماء، أشياء، اشخاص)، العلاقات (أفعال، صفات، علاقات تبعية قواعدية مثل المضاف والمضاف اليه)، والمستويات (المستوى الذري، الجيني، الاجتماعي..الخ) وهكذا يمكن أن تكون هناك نوايا أيضاً في بعض المستويات مثل المستوى الاجتماعي.
فريدريك بارتليت والذي يعتبره علماء نفس السرد أحد الآباء لعلم نفس السرد ركز على دور السياق الثقافي في دراسة المعنى واجرى تجارباً اظهر فيها تباين تلقي المعنى بالاعتماد على السياق الثقافي للمشاركين في التجربة. وجهة نظر بارتليت تهم في سياق دراسة التعقيد بأنها تعزز الحاجة لاتخاذ مقاطع معينة زمانية ومكانية لدراسة نماذج التعقيد. يرى بارتليت أن الأساطير والقصص الشائعة لا تولد من ردود فعل شخصية بل تولد من اعدادات اجتماعية وثقافية معينة.
من بين تمثيلات ذهنية واجتماعية عديدة طرحتها العلوم المختلفة يقع تمثيل التعقيد في جانب قريب من التمثيلات الاجتماعية، نظرية موسكوفتشي لكن دون مانع من تطبيق ذات المبادئ على الفرد. الغرض من دراسة التعقيد الفكري على المستوى الاجتماعي بشكل رئيسي وبشكل عابر للغات هو لغرض الوصول قدر الإمكان الى أي مفاهيم أو مبادئ يمكن أن تكون إنسانية بالمفهوم العام وليست مختصة بثقافة معينة أو لغة معينة.
أجرى سيرغي موسكوفتشي دراستين واسعتين على المجتمع الفرنسي لإيجاد أثر توغل التحليل النفسي لفرويد في المجتمع الفرنسي ليصبح جزءاً من الحس الشائع (common sense) وذلك بحسب الأعمار، الطبقات الاجتماعية، وأماكن العيش في المدن او الريف وغير ذلك. التمثيلات الاجتماعية هي مجموعة من المبادئ النابعة من الحياة اليومية والتواصل اليومي بين الأفراد. تشكل فئات المجتمع المختلفة نمطاً تمثيلياً محدداً وجمعياً (أي على مستوى المجتمع) للتعامل مع العناصر الثقافية. وما تدرسه دراسة التمثيلات الاجتماعية هو تلك الأنماط التمثيلية من المجاميع المختلفة للعناصر الثقافية. على سبيل المثال كيف تمثل الطبقة العاملة في المجتمع الفرنسي أمراً مثل التحليل النفسي أو عناصر معينة من التحليل النفسي. التمثيلات الاجتماعية تعد بديلاً حديثاً للاساطير في المجتمع القديم وهي أيضاً بديل للحس الشائع.
على الرغم من تركيز دراسة التعقيد على موضع مشابه لما تركز عليه التمثيلات الاجتماعية وعلى الرغم من وجود بعد اجتماعي غير أن دراسة التعقيد تهتم أكثر بجانب مجرد من بناء الجملة كمجموعة من العناصر والعلاقات. لكن بشكل عام فإن العقبة الأساسية التي تجعل دراسة القصص والسرديات حاسوبياً وفكرياً أمراً صعباً هو عدم وجود أي محاولة لرسم السرديات والقصص كمخططات أو كتمثيلات للبيانات وبذلك فمن الممكن أن تتم معالجتها كما تتم معالجة أي نص آخر بشكل خاص. يبقى هناك جانب يعطي تميزاً لتمثيل القصص كبيانات وهو النوايا والتي يجب النظر في البحث العلمي المتوفر حول اشتقاقها واستخراجها من النصوص.
[1] László, János. The science of stories: An introduction to narrative psychology. Routledge, 2008.