التصنيفات
تحليل النصوص علم النفس فلسفة

توقعات عالية حول الايديولوجيا لدى البشر: لماذا نرى البشر ازدواجيين أو غير مبدئيين؟

سمعت بخبر محاكمة الطبيب السعودي طالب العبد المحسن اليوم في ألمانيا. طالب هو ملحد سعودي ناشط ضد الإسلام وموالي لليمين المتطرف ويتبنى الدعوات المضادة للإسلام في الغرب. لكنه فجأة نفذ عملية من شاكلة العمليات التي يقوم بها المتطرفين من خصومه الإسلاميين. كان من المتوقع أنه ربما نفذ الأمر كنوع من عملية الراية الخاطئة (false flag operation) لزيادة التأجيج ضد المسلمين، لكن هذه احتمالية عقلانية جداً نفترض فيها أقصى وجه من العقلانية في فعل الدكتور طالب. إن مجاهل اللاعقلانية في أذهان البشر أوسع بكثير من افتراض أن البشر قادرون على تشرب الأيديولوجيات بشكل نصي. وهذا زعم آخر لا نعرف مدى صحته علمياً، لماذا نفترض أن فعل طالب عقلاني؟ يقول المحققون الألمان أن طالب يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية. وفيما يبدو طالب حالة غريبة جداً فأنا أزعم أنه القاعدة لا الاستثناء لكننا فقط لا ندرك كيفية عمل أدمغتنا تجاه أمور مثل الانتماء والهوية ومفاهيم الجماعات، كل هذه هي مفاهيم فحسب.

أقول مفاهيم فحسب لأن “المفاهيم” هي أمر مختلف عليه بشدة في أذهان البشر. أي أن نسبة ما يتفق عليه البشر في مفهوم معين هو أمر محدود جداً. تعلمت مؤخراً من كتاب “كيف تصنع العواطف” لليزا فيلدمان باريت أن أموراً كالغضب أو الخوف أو الحب هي مجرد مفاهيم في أذهاننا وأن الأفراد قد يسمون شيئاً ما خوفاً لكنه متباين بشدة من حيث الشبكات التي تمثله في الدماغ. كتاب يبدو وكأنه pop science  لكنه بالغ العمق في فهمنا للبشر حولنا. أدعو لقراءة سلسلة المقالات عن نظرية العواطف المبنية في العلوم الحقيقي ففهم هذه النظرية أهم مما كتبته في هذه الأسطر. في نظرية العواطف المبنية نفهم بأننا صنعنا الخوف والغضب والحماسة بنفس الطريقة التي تعلمنا فيها يوماً ما هي السيارة وما هي الشجرة، مفاهيم فحسب. لكن الكاتبة توضح أن البشر ليس لديهم حتى نفس المشاعر عبر اللغات وأنهم عاجزون عن تخمين المشاعر بوجوه الآخرين وأن كون المشاعر مفاهيم يجعلها أمراً عالي التباين. تسميها نسخ العواطف، أي أن لكل شخص نسخ مختلفة من عاطفة معينة ولكل شخص نسخ مختلفة عن الآخرين. وهكذا الحال مع مفاهيم كالهوية والانتماء والقوم والخير والشر كالتي تدفع شخص مثل طالب العبد المحسن لينفذ جريمته، إنها مفاهيم فحسب ولا ندري كيف كونت؟

على صعيد آخر فقد انتهيت من تجربة من تجارب مشروعي حول أنماط التعقيد الفكري. كانت التجربة تتضمن قياس ما تلتقي به فكرة معينة بإصدارات مختلفة منها، كتبها أشخاص مختلفون. الخارطة أدناه مثلاً تمثل 13 مفهوم للحب حصلت عليها من ترجمة اول جملتين من مقالات ويكيبيديا عن الحب، من 13 لغة مختلفة. الداكن أكثر هو ما تتفق عليه إصدارات اكثر من مفهوم الحب، أما الفاتحة اللون فهي ما وردت في نسخة ولم ترد في البقية. لكن في المخطط الآخر نجد أن ما يتبقى مما تتفق عليه 4 لغات على الأقل هو فقط تلك النواة.

The concept of love, represented by entity-relationship model reflecting how much entities are shared across different versions of the concept
The concept of love, represented by the entity-relationship model, reflects how much entities are shared across different versions of the concept
Love - as 9/13 of languages agree on it
Love – as 9/13 of languages agree on it

لا أزعم أن هناك معنى عميق لتلك الجمل الناتجة من التقاء كل تلك اللغات. مثلا هل أن الحب هو تعلق وتأثر بإجماع عدد أكبر من البشر؟ ربما! لكن أود أن الفت النظر الى كيفية التباين الكبير بيننا في أمر مثل الحب. فكيف سنرى اذن فكرة “الشعب” أو “الحكومة” أو “دول الجوار” أو “الكفار” أو “الحلفاء” أو الكثير من المفاهيم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. هل نحن ازدواجيون لأننا لا نستطيع؟ كيف سنجعل عقولنا بمفاهيمها حول القيم تتبنى ديناً بأكمله، بكل نص ورد فيه كما يتوقع البعض منا؟ إننا نفترض أن طالب العبد المحسن أو الأشخاص الذين نعتبرهم منافقين أو غير متسقين فكرياً كلهم نسخ متطابقة من المفاهيم الأيديولوجية التي يفترض أنهم يمثلونها. لو قال شخص بأنه اشتراكي فنفترض أنه يفهم ما هي الاشتراكية. إن كانت حتى مقالات ويكيبيديا حول الاشتراكية لا تتفق حول مفهوم ما، فكيف يتفق عامة الناس؟

في التجربة التالية حصلت على قاعدة بيانات تتضمن تصويت الناس على مفاهيم بأنها مفاهيم صلبة أو مجردة. مثلا الموز لديه درجة صلابة عالية (concreteness) في حين أن الديمقراطية منخفضة جداً. بمعنى أن معظم الناس سيعرفون الموز بطريقة متشابهة، لكنهم سيختلفون بدرجة عالية في تعريفهم للديمقراطية. قارنت هذه البيانات بين طريقتي في قياس الثبات في المفاهيم لعشرين مفهوم مختلف ووجدت اقتران احصائي عالي بين الاثنين.

هل تفترض أن البشر يفهمون السياسة أو يرون بها ما ترى في موسوعة معينة لكي تلومهم لأنهم منافقين؟ إن مثقفي البشر غير قادرين على الاتفاق على هيئة موحدة لمفاهيم مهمة للبشر، فكيف يتفق عوام الناس على مفهوم صعب لما يجب أن تكون عليه الأمور سياسياً؟ جلست مع أحد الأشخاص في العراق وقال شيئاً عرفت منه أن يصوت لنوري المالكي فسألته لماذا يفعل ذلك، فقال “هي كلها بيده”. قد لا أرغب بمصاحبة شخص يحب صدام حسين أو نوري المالكي ويرى فيهم أمراً جيداً، لكن من المذهل أن نرى كيف يفهم هذا الشخص العالم وهو يصوت لنوري المالكي لأن “كلها بيده”. من النادر أن نجد أشخاص يكرهون زعيماً سياسياً وفقاً لإحصائيات دقيقة حول انتهاكاته لحقوق الانسان أو عدد ضحاياه. إننا نميز عنصرياً ضد البشر حين نفرض عليهم امتلاك آلية دقيقة كهذه. البشر بعيدون كل البعد عن التعريفات الفكرية الدقيقة التي وضعها المثقفون في الموسوعات والكتب، وهم أقرب الى “هي كلها بيده”.

ينطبق نفس الشيء على متبعي الأديان والحرب الدائمة في الهندوسية والإسلام واليهودية والمسيحية من قبل المتدينين على غير الملتزمين بالتعليمات كما هي (لا أتحدث عن استنكار ترك الدين بالاجمال). الأمر هنا لا يقتصر على تبني رأي معين، بل على آراء سيترتب عليها أمور كثيرة في كيفية حياة الشخص مثل ارتداء الحجاب أو تخصيص وقت ومساحة اجتماعية لارتياد الأماكن الدينية أو حضور طقس ديني معين أو بعض القرارات المالية حول التبرع بالمال لأبناء الدين. يطالب ذوو النزعة الارثدوكسية في الأديان عامة الناس بقراءة نص ديني كبير وفهمه وتطبيقه كما هو والناس بعيدون كل البعد عن تلك القدرة الفكرية من الأساس، ما لم نذكر صعوبة الالتزام بالأمر. وهذا إن تجاهلنا عدم قدرة البشر على الاتفاق على نفس المفهوم بنفس الشكل حتى وإن كان عواطفاً تفترض أن يفهمها الجميع كالغضب والحب. تخيل أن هناك لغة ليس فيها كلمة “حزن”.

وهل توجد أي أمة راسخة على قيم ثابتة من الأساس؟ هناك وهم بأن الأوروبي أو الصيني ملتزم من حيث القيم. رجل المونديو هو مثال بريطاني على شخص يصوت لحزب العمال ثم يشتري بيته وسيارته ويعيش من تقاعده وبعد ذلك يبدأ بالتصويت لحزب المحافظين. ويقال رجل المونديو لأن رجلاً بسيطاً في شرق إنجلترا وصف نمط حياته بهذه الطريقة حين التقى بتوني بلير في مطلع الألفية. قال بوضوح أنه الآن اشترى سيارته وبيته – أي دفع أقساطه – ويقضي اجازاته في اسبانيا لذا فهو الآن يصوت للمحافظين. يبدو غريباً لكنه بسيط جداً. الرجل لا يرى تكتلات أخلاقية بل يرى تكتلات للمصلحة في تلك الأحزاب. لماذا نلوم المستفيدين من المافيا أو من الأحزاب الشمولية والأحزاب الدينية في شتى انحاء العالم حين نرى أن جانباً من البشر ليسوا قادرين على ما هو سوى ذلك في تلك التجمعات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *