التصنيفات
اللغويات عربي

ظاهرة لتعدد اللغات: اللغة التركية تحجب لغات أخرى

سمعت في كتاب اللغة في الدماغ لسبنسر كيلي كيف ان تعدد اللغات يعزز قدرة تعرف بالتحكم الادراكي (cognitive control) والتي يرجح انه ناتجة من الحاجة لكبح اللغة الام في كل مرة يتكلم فيها متعدد اللغات بغلة اخرى. اما حول تطبيقات التحكم الادراكي الاخرى فهذا ما لم يسعفني الوقت بعد للبحث فيه والكتابة عنه في العلوم الحقيقية فيما بعد. لكن ما شد انتباهي وانا بزيارة الى تركيا هو امر لاحظته سابقا عن صعوبة التحويل من التركية الى غيرها بشكل مثير للاهتمام.

تعلمت التركية في 2009 ولم يكن حينها تعلما ناجحا بقدر ما كان تحشيدا للمفردات، لكن ومع صولة اخرى تمكنت من تعلم اللغة متشبثا بمجموعة من متعلمي العربية الاتراك الذين شكلوا لي مجموعة غير منتظمة الاعمار والتوجهات من الاصدقاء الذين استطعت زيارة بعضهم في تركيا وانشأت محتوى تعليمي في يوتيوب وكتاب بمساعدة احداهن لتعليم التركية بمستوى ابتدائي جدا. مع ذلك، ونظرا لطبيعة اللغة التركية الغربية على لغتي العربية واللغة الثانية الانجليزية، فقد بقيت اللغة عسيرة في اصناف عديدة من الاستخدام، فقراءة خبر ما امر سهل مثلا لكن تقصي الفعل في نهاية الجمل لا اشعر انه يحرك جانبا لغويا في دماغي بقدر كونه عملية شبيهة بحل الالغاز. بعض الجمل تجعلني اضحك في النهاية، ترتيب الجملة غير منطقي بتاتا بالنسبة لي. هكذا ايضا تكون بعض الحوارات صعبة جدا لكن في الغالب فإن الناس لا يستخدمون جملا طويلة ومفردات معقدة. لكن هل هو الاختلاف الوحيد؟

في احدى المرات وبينما عبرت من تركيا الى العراق برا، توقفنا بمطعم في النقطة الحدودية بزاخو، حينها كنت اود الاشارة للشوربة لاضيفها لطلبي من صاحب المطعم، خرجت الجملة تلقائيا باللغة التركية. كانت تلك اول محاولة للحديث بالكردية بعد اسبوعين في تركيا (ولم تكن كرديتي جيدة على الاطلاق).

لكن في مرة اخرى، كنت في طابور استلام الراتب بمكان عملي بأربيل، وكنت اجري مكالمة اتحدث فيها بالتركية، حينها توقفت وبقيت صامتا حتى جاء دوري ثم اعطاني الموظف ايصالا وكانت اول كلمة قلتها عبارة الشكر بالتركية، شعرت بالخجل وحتى الان لا أدرى ماذا فكر الموظف. في ذلك الوقت كانت السورانية هي لغة العمل بالنسبة لي، ومع ذلك فمن المستحيل ان يحدث هذا في اي لغة اخرى رغم انني اتكلم لغات اخرى أفضل بكثير من التركية.

هذه المرة انا قادم لتركيا وتقريبا لم امارس التركية في حوارات مستمرة منذ 5 سنوات على الاقل، وحتى الاطلاع على الاخبار كان ثانويا جدا. في الاسبوعين الاخيرين شاهدت فلمين ورددت بعض الكلمات والجمل حين سماعها، ثم قرأت في الطائرة بشكل مستمر قرابة 35 صفحة من كتاب “اسمي احمر” ولفصول قرأتها سابقا بالعربية، أيضاً جربت طريقة إحصائية لأول مرة، وهي أنني اعددت قائمة لجملي وعباراتي وكلماتي الأكثر استخداما بالاعتماد على محادثاتي في واتسب، وملأت مرادفاتها التركية، تفاجئت انني بعد هذه السنوات قادر على ترجمة مفرداتي الأكثر استخداما الى التركية دون الحاجة لأي قاموس. ثم بعد حوارات بسيطة مع موظفي الفندق وسائقي التكسي وبينما كنت عائدا لقراءة الكتاب، اردت خلق حوار بالاسبانية وهو أمر أفعله مع مختلف اللغات دائماً، وهنا توقف التفكير كليا، لم يكن الامر ممكنا، هناك حجب تام، التركية تحجب الاسبانية كليا! طبعا كان اخر حوار لي بالاسبانية قبل 5 ايام من سفري وكنت قد خرجت مع شخصين وتحدثنا بالاسبانية فقط لما يزيد عن الساعتين والاسبانية عندي بلا شك افضل من التركية.

هذه ليست المرة الاولى طبعا، حيث اكتشفت سابقا وما زال الامر كما هو انني حين اعدد الارقام بالتركية فقد يتطلب الامر ثواني عديدة للتمكن من العد بالاسبانية، ولو تمكنت فستتلكأ الارقام وقد يدخل رقم تركي بين الارقام. جربت تكرار الامر مع العبرية فلم يحدث اي انقطاع، وكأن العبرية جزء من العربية وهي لا تتعرض للحجب بالتركية (وفي الحقيقة أنا اتعامل مع العبرية كتنوع من تنوعات العربية في ذهني).

في السابق وبين 2017-2018 كنت اخوض حوارات يومية متقطعة بالتركية والاسبانية مع شخصين متجاورين معي في العمل، ومع ذلك كان صديقي اللاتيني نابليون يضحك حين تدخل الكلمات التركية او حين اعجز عن الكلام كليا لبضعة ثواني بعدما انتهي من الكلام بالتركية مع زميل تركماني واحاول الحديث معه.

الاسبانية بالنسبة لي تحتل موقعا قريبا من الانجليزية لكن ليس قريبا جدا. وهي المتضرر الاكبر بالحجب التركي، ثم كذلك الامر مع الكردية وكلاهما لغات تعلمتها بترتيب 4 و5 اي انها لغات حديثة التعلم رغم استخدامهما أكثر من التركية. أما من حيث الاستخدام العاطفي للغة وهو بعد مهم في واقع المحافظة على اللغات في الدماغ بعد الإصابات الدماغية فلا أعتقد أن لأي من هذه اللغات ميزة على الأخرى، كلها لغات للتخاطب مع الأصدقاء، وربما كان للتركية لحظات أكثر دفئاً من الكردية والاسبانية، لكن أيضاً، ليس بمعنى أن لي أي لحظات دافئة بالتركية.

ما حدث في التركية خلال الايام الاخيرة معي هو انني رغم عدم غزارة الحوارات (أستطيع تذكر حوالي 7 حوارات يوم أمس اطولها كان لحوالي 10 دقائق) لكنني كنت أفكر بحوارات محتملة طيلة الوقت وذلك لعدم الثقة بلغتي وحاجتي لتدبير المفردات قبل الكلام. وبالتالي فقد كنت أفكر كثيرا باللغة رغم ممارستها بشكل اقل. اخر تجربة اجريتها هي محاولة افتتاح حوارات بالاسبانية بذهني في اوقات عشوائية، كنت اخاطب صديقي نابليون (افتراضيا)، والمذهل ان المعاني كانت وكأنها مرتبطة بمقاطع ذات وجهين لهاتين اللغتين، يأتي ما اود قوله لنابليون بالتركية، بالطبع ليس بجمل طويلة معقدة بل كما هي العادة في الحوارات البسيطة بعبارات ثنائية وثلاثية الكلمات.

ما حدث ايضا في الايام الماضية هو مصادفة بعض الاكراد الكرمانجيين، وفي العادة يقلب هؤلاء للحديث بلغتهم بصفتنا شعب واحد (ونحن بالتأكيد شعب واحد لو قارننا علاقتنا بالعلاقة مع المزيج التركي-الرومي)، طبعا نهاية حوارات كهذه هي العودة للتركية اذا ما كان الحوار معقدا او اذا ما كان الحس اللغوي بتقريب المفردات المتشابهة ضعيفا لدى المتحدث، لكن في حالة التأثير الكابح للتركية فقد حدث تأخير ملحوظ في الوقت الذي استطيع فيه نطق الكلمة الاولى، ثوان عديدة بالمقارنة مع القدرة على الترجمة الفورية لزوجتي ومخاطبتها بالعربية فورا حين محادثة الاتراك، وأيضا دخلت كلمات تركية بذات المعنى (الاوجه المتعددة للمعنى) بدل احدى الكلمات الكردية فورا مما جعلني اضحك واتوقف عن الكلام لوهلة مع احدهم مفكرا بما حدث، لم يفهم هو لماذا ضحكت ولماذا خرجت عبارة تركية بدلاً من الكردية السورانية (التي لن يفهمها بسهولة وربما لن يفهمها قط).

هل تحدث في لغة اخرى؟  من المحال ان تطغى العربية على الانجليزية بشكل محسوس بحيث احتاج للتفكير بصعوبة قبل الانتقال الى الانجليزية، وكذلك الحال مع الكردية، اما الفارسية فرغم انني لا ارغب بالاستشهاد بها لافتقاري لتجربة حديث فعلية، غير ان فترة تعلمها وتعلم الكردية كانت حافلة بالمصطلحات القافزة بين الاثنين بشكل مثير للضحك، لكن التأثير لم يكن كابحا للغة الاخرى على الاطلاق، انهما فقط نفس اللغة او بنفس المنطقة في ذهني، وهكذا الحال في طيف كبير من الكلمات التي اتخيل ان لها نفس الاستخدام بين الانجليزية والاسبانية (ما ينتهي ب شن، سيون مثلا).

هل منعت العربية التفكير او النطق باللغات الاخرى وهل فعلت الانجليزية الامر ذاته؟ وفقا لالية الكبح للغة الام فأن هذا لابد وان يكون قد حدث اي ان الانطلاق بالتحدث بلغة اخرى لابد وان يكون ابطئ من الانطلاق للتحدث بالعربية، لكن هذا ما لا اعتقد انني قادر على الانتباه اليه وتسجيله وهو ايضا من المسلمات.

بعد اسبوعين: بدأت استمع للاغاني التركية كما اعتدت في مقر العمل، لكن اليوم كان خافيير معي، انه يومه الاخير قبل ان يعود لبلده اسبانيا، اردت ان اسأله “متى ستغادر اليوم” تلقائيا جائت الجملة “Ne zaman gideceksin bugun”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *