لطالما شككت بالروايات حول المجازر التي أحدثها المغول في العراق والآثار طويلة الأمد لغزوهم لأسباب منطقية عديدة، واليوم بينما نشهد حصيلة القتلى في مجزرة تحدث بأقصى فارق قوة ممكن بين مجموعتين بشريتين يمكن أن نحصل على صورة أخرى نتخيل فيها طبيعة وستراتيجية القتل قبل الف سنة.
يسرد كتاب التاريخ المنهجي في العراق بإحدى السنوات أن تعداد سكان العراق كان يقدر بـ 30 مليون في فترة ما لكنه تناقص الى بضعة مئات من الألوف وهذا غير منطقي في تقديرات تعداد السكان لأي منطقة في التاريخ. تذهب بعض السرديات التاريخية الى اختصار غزوة المغول بأنها إبادة شاملة لسكان بغداد على الأقل. لكن مع تناول الروايات المتوفرة حول غزوة المغول وفي الكثير مما كتبت عنه في قراءتي لكتاب العراق بين احتلالين لعباس العزاوي[1] [2] [3] يمكن بسهولة إيجاد حقائق مغايرة والتي يمكن أن نستعرضها أمام المجازر التي يقوم بها الإسرائيليون تجاه أهل غزة المدنيين انتقاماً من هجوم حماس عليهم.
قبل البدء يجدر التذكير أن واقع العراق بعد القرن الثالث الهجري لم يكن بدرجة عالية من الازدهار فبغداد المدورة مثلاً بدأت بالاندثار وهجرت بعد قرنين من تأسيسها وتحولت لاحقاً الى مجمع سكني صغير حتى انتهت كلياً ولم نعد نقرأ عنها شيئاً في الألفية الأخيرة. كما أن الدراسات حول أنظمة الري ومدخولات الضرائب والإنتاج الزراعي وطبيعة القحط والفيضانات والكوارث الطبيعية تظهر أن واقع العراق كان متجهاً نحو التدهور من الأساس قبل المغول وليس أن العراق كان منارة العالم طيلة الفترة العباسية وهذه مغالطة كبرى. وصلت بغداد الى مراحل يرثى بعد فترة قصيرة من نشوء الدولة العباسية. لكن لنعد للمقارنة الإحصائية.
أولاً لا حاجة للتذكير أن الإسرائيليين يقتلون الناس بأحدث الوسائل ويجربون انواعاً من الصواريخ والقنابل وتقنيات الذكاء الاصطناعي فيما كان المغول يستخدمون السيوف. حتى لو تخصص جيش المغول بأكمله بعمل ممنهج لنحر الناس فكم سيستطيعون أن يقتلوا بالمقارنة مع السلاح الحديث وتقنيات الانفجارات؟
الأمر الثاني هو أن مجزرة المغول دامت 11 يوماً فقط، في حين مضى على المجازر في غزة سنة كاملة. نعم قد يقول قائل أن العمل الإسرائيلي يمتلك أهداف محددة من الأساس حتى وإن كان الانتقام جزءاً منها لكن في النهاية قد تتطلب بعض الأنشطة تلك تفريغ الأحياء من السكان وهو ما حدث خلال العملية الإسرائيلية خلال عام. لكن في الوقت نفسه فإن مراجعة أحداث غزو المغول، سواء غزوة هولاكو أو غزوة تيمورلنك، تظهر وجود أهداف أخرى. تسرد الوقائع التاريخية أن عمليات السلب التي تتضمن التنكيل بشخص ما وتعذيبه ليعترف بموضع خزن ودفن أمواله كانت جزءاً أساسياً من عملية الغزو وليس فقط القتل الاعتباطي.
ذكرت أيضاً في حينها أن حصيلة وفيات الأعلام التي يحرص عباس العزاوي على سردها لم تظهر ارتفاعاً غير مسبوق في عدد المشاهير ممن ماتوا في ذلك العام. بالتأكيد فقد يكون القتل قد طال عامة الناس بشكل أكبر أو فئات معينة لا يشترط أن يكونوا من أعلام الدين والعلم، لكن خذ غزة على سبيل المثال وقارن مع أي شريحة فستجد أن القتل قد طال الجميع.
والحصيلة؟ حتى هذه اللحظة، قتل الإسرائيليون عشرات الالاف من المدنيين وقصفوا مساحة جغرافية تعد من الأكثر كثافة في العالم ونكلوا بأهلها فوق أسباب الجوع وانعدام الدواء. مات 42 الفاً حتى هذه اللحظة من أصل مليونين ومئتي ألفاً. قتل الإسرائيليون مع كل فوارق القوة تلك 0.01% من سكان غزة طيلة عام. ومن هنا أقول فقط لأنني مهتم بالجانب الاحصائي من الآلام والوفيات والمآسي بقدر اهتمامي بالتاريخ: إن المغول خلال 11 يوماً لم يبيدوا سكان بغداد ولم يكن ذلك ممكناً لهم ولم يقتلوا سوى عدة آلاف من الناس.
[1] أحداث سقوط بغداد، ظلال في التاريخ